إخوان الصفاء
60
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
إلى أصول النبات وإلى أعلى فروعها ، فإذا لم تجد ذلك جفّت أجسامها وهو موتها ، ولكن لا يعرض لنفوسها الألم عند فقدان الغذاء كما يعرض للنفوس الحيوانية ، فمن أجل هذا لم تجعل لها حيلة التنقل من مكان إلى مكان في طلب الغذاء كما للحيوان ، ولا فرارا من المؤذيات ، لأنه لا يليق بالحكمة الإلهية أن تجعل لها ألما وتمنعها حيلة الدفع . وأما النفوس الحيوانية لما جعلت لها حيلة الدفع عن أجسادها الأشياء المفسدة لها ، جعل لها ألم يحثّها على ذلك إما بالطلب ، وإما بالهرب ، وإما بالتحرّز ، كما بيّنّا في رسالة الحيوان . وأما لذة الانتقام فهي أيضا خروج من الألم . وذلك أن الغضب نار وحرارة تشتعل في جرم القلب وهو شهوة الانتقام من المؤذي الذي أثار الغضب ، فإن وصل إلى الانتقام ، سكنت تلك الحرارة وخمدت نارها . وإن لم يقدر على ذلك ولم يصل إليه ، صار الغضب حزنا ومصيبة ، مثال ذلك ، إذا قتل لأحد قتيل أو قدت نار غضبه على القاتل شهوة القوّة ، فإن قتل القاتل سكنت تلك الحرارة ، وإن قتله الموت صار حزنا ومصيبة ، لأنه لا يمكن أن يؤخذ من الميت القوة . وعلى هذا القياس سائر الشهوات نيران تشتعل في الأجساد وتحسّ النفوس آلامها . ثم اعلم أن الأجساد كلها نيران بالقوة جامدة ، فإذا أصابتها نار بالفعل ، صارت نيرانا بالفعل . والدليل على ذلك أنها كلها يمكن أن تحرق بالنار . فلو لم تكن من النار لما أمكن إحراقها بها . وهكذا حكم مأكولاتها وملبوساتها كلها نيران جامدة كوّنت من النار والهواء والماء والأرض ، وإليها تستحيل بعد مفارقة النفوس لها . ومن أجل هذا قال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم : « أهل النار خلقوا ومن النار يأكلون ، وعلى النار يتقلبون » وهذه حال الأجساد ومرافقها ومادّتها كلها نيران جامدة ، إذا اشتعلت التهبت على الأفئدة كما قال اللّه ، عز وجل : « نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّها عَلَيْهِمْ